أبو الليث السمرقندي
404
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فقال : وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ حين لم ينهوهم عن قولهم الإثم ، وأكلهم السحت ، ورضوا بفعلهم . قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وذلك أن اللّه تعالى قد بسط عليهم الرزق ، فلما عصوه وجحدوا نعمته ، قتر عليهم الرزق ، فقالوا عند ذلك : يد اللّه محبوسة عن البسط ، فأمسك عنا الرزق . قال اللّه تعالى : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ يعني : أمسكت أيديهم عن الخير ، ويقال : هذا وعيد لهم ، غلت أيديهم في نار جهنم . ويقال : جعلوا بخلاء ، فلا يعطون الناس شيئا مما أعطاهم اللّه تعالى . ثم قال : وَلُعِنُوا بِما قالُوا يعني : عذّبوا وطردوا من رحمة اللّه ، لقولهم ذلك . ثم قال : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يعني : رزقه واسع باسط على خلقه يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ يقول : يرزق لمن يشاء مقدار ما يشاء ، فله خزائن السماوات والأرض . وهذا كما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « قال اللّه تعالى : لو أنّ أوّلكم ، وآخركم ، وجنّكم ، وإنسكم ، سأل كلّ رجل ما بلغت أمنيته فأعطيته ، لم ينقص ذلك من خزائن ملكي مقدار ما يغترف من البحر برأس إبرة واحدة » . ثم قال تعالى : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ يعني : من اليهود ، ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن ، مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً يعني : تماديا بالمعصية ، وَكُفْراً وجحودا بالقرآن يعني : كل ما نزل عليك شيء من القرآن كفروا به ، فيزيد جحودهم في طغيانهم ، وإنما نسب ذلك إلى ما أنزله ، لأن ذلك سبب لطغيانهم وجحودهم . وهذا كما قال في آية أخرى : وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء : 82 ] يعني : أن ذلك سبب لخسرانهم . ثم قال تعالى : وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني : جعلهم اللّه مختلفين في دينهم ، متباغضين كما قال في آية أخرى : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [ الحشر : 14 ] . ثم قال : كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ يقول : كلما أجمعوا أمرهم على المكر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه فرقه اللّه تعالى ، وأطفأ نار مكرهم ، أي : يسكته اللّه تعالى ، ووهن أمرهم ، وهذا على وجه الكناية كما قال : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي ، كانَتْ عَلَيْهِمْ ثم قال : وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً يعني : يعملون فيها بالمعاصي ، ويدعون الناس إلى عبادة غير اللّه تعالى ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ يعني : لا يرضى بعمل الذين يعملون بالمعاصي ، واللّه لا يحب أهل الفساد ، ولا عملهم .